أبي بكر الكاشاني
128
بدائع الصنائع
فقال له أبوه أجب محمدا فأسلم ثم مات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار ولان عيادة الجار قضاء حق الجوار وأنه مندوب إليه قال الله تبارك وتعالى والجار الجنب من غير فصل مع ما في العيادة من الدعوة إلى الايمان رجاء الايمان فكيف يكون مكروها ويكره الابتداء بالتسليم على اليهودي والنصراني لان السلام اسم لكل بر وخير ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر الا أنه إذا سلم لا بأس بالرد عليه مجازاة له ولكن لا يزيد على قوله وعليك لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السلام عليكم فقولوا وعليك ولا بأس بدخول أهل الذمة المساجد عندنا وقال مالك رحمه الله والشافعي لا يحل لهم دخول المسجد الحرام احتج مالك رحمه الله بقوله عز وجل إنما المشركون نجس وتنزيه المسجد عن النجس واجب يحققه أنه يجب تنزيه المسجد عن بعض الطاهرات كالنخامة ونحوها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار فعن النجاسة أولى واحتج الشافعي رحمه الله بقوله جل وعلا ( فلا يقربوا المسجد بعد عامهم هذا ) خص المسجد الحرام بالنهي عن قربانه فيدل على اختصاص حرمة الدخول به ليكون التخصيص مفيدا ( ولنا ) أن المشركين من وفود العرب وغيرهم كانوا يدخلون المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه روى أن أبا سفيان دخل المسجد عام الحديبية وكذا وفد ثقيف دخلوا المسجد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة من دخل المسجد فهو آمن جعل عليه الصلاة والسلام المسجد مأمنا ودعاهم إلى دخوله وما كان عليه الصلاة والسلام ليدعوا إلى الحرام ( وأما ) الآية الكريمة فالمراد أنهم نجس الاعتقاد والافعال لا نجس الأعيان إذ لا نجاسة على أعيانهم حقيقة وقوله عز وجل ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) نهى عن دخول مكة للحج لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لقوله تعالى ( وان خفتم عليلة فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء ) ومعلوم ان خوف العيلة إنما يتحقق بمنعهم عن دخول مكة لا عن دخول المسجد الحرام نفسه لأنهم إذا دخلوا مكة ولم يدخلوا المسجد الحرام لا يتحقق خوف العيلة ولما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سيدنا عليا رضي الله عنه ينادى الا لا يحجن بعد هذا العام مشرك فثبت ان هذا نهى عن دخول مكة للحج الا أنه سبحانه وتعالى ذكر المسجد الحرام لما أن المقصد من اتيان مكة البيت والبيت في المسجد والله سبحانه وتعالى أعلم مسلم باع خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه ولو كان البائع نصرانيا فلا بأس بأخذه ( ووجه ) الفرق أن بيع الخمر من المسلم باطل لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم فلا يملك ثمنها فبقي على حكم ملك المشتري فلا يصح قضاء الدين به وإن كان البائع نصرانيا فالبيع صحيح لكونها مالا متقوما في حقه فملك ثمنها فصح قضاء الدين منه والله عز وجل أعلم رجل دعى إلى وليمة أو طعام وهناك لعب أو غناء جملة الكلام فيه ان هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين أما أن يكون عالما ان هناك ذاك واما أن لم يكن عالما به فإن كان عالما به فإن كان من غالب رأيه أنه يمكنه التغيير يجيب لان إجابة الدعوى مسنونة قال النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها وتغيير المنكر مفروض فكان في الإجابة إقامة الفرض ومراعاة السنة وإن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير لا بأس بالإجابة لما ذكرنا ان إجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير ألا ترى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وإن كان هناك معصية من النياحة وشق الجيوب ونحو ذلك كذا ههنا وقيل هذا إذا كان المدعو اماما يقتدى به بحيث يتحرم ويحتشم منه فإن لم يكن فترك الإجابة والقعود عنها أولى وان لم يكن عالما حتى ذهب فوجد هناك لعبا أو غناء فان أمكنه التغيير غير وان لم يمكنه ذكر في الكتاب وقال لا بأس بان يقعد ويأكل قال أبو حنيفة رضي الله عنه ابتليت بهذا مرة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة أمر مندوب إليه فلا يترك لأجل معصية توجد من الغير هذا إذا لم يعلم به حتى دخل فان علمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل وقيل هذا إذا لم يكن اماما يقتدى به فإن كان لا يمكث بل يخرج لان في المكث استخفافا بالعلم والدين وتجرئة لأهل الفسق على الفسق وهذا لا يجوز وصبر أبي حنيفة رحمه الله محمول على وقت لم يصر فيه مقتدى به على الاطلاق ولو صار لما صبر ودلت المسألة على أن مجرد الغناء